أبي منصور الماتريدي
537
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وَحَفَدَةً قال الحسن وغيره « 1 » : الحفدة : الخدم والمماليك ، فهو على التقديم ، على تأويل هؤلاء ، يقول : جعل لكم من أنفسكم أزواجا وخدما من جنسكم ؛ لأنه ذكر فيما تقدم : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ . . . الآية ، يذكرهم نعمه وفضله الذي ذكر أنه جعل لكم من جنسكم أزواجا وخدما تحت أيديهم ، يستمتعون بالأزواج ، ويستخدمون الخدم والمماليك ، وهم من جنسهم وجوهرهم ، يذكرهم فضله ومننه عليهم . أو يشبه أن يكون هذا صلة قوله : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا . . . [ النحل : 58 ] الآية ، كانوا يأنفون عن البنات ، ويدفنونهن أحياء إذا ولدن أنفا منهن ، يقول - والله أعلم - : كيف تأنفون منهن وقد جعل لكم من البنات أزواجا تستمتعون بهن حتى لا تصبروا عنهن ، وكذلك جعل لكم من البنات والبنين الذين ترغب أنفسكم فيهم ما لولا البنات لم تكن لكم الأزواج التي تستمتعون بهن ، ولم يكن لكم البنون الذين ترغبون فيهم ، والأنصار والأعوان والخدم الذين ترغبون فيهم ، يبين ويذكر تناقضهم في الأنفة منهن يأنفون منهن ، ومن البنات يكون ما يرغبون فيهم « 2 » ؛ فهذا يدل أن النساء يصرن كالملك للأزواج ، ويصرن تحت أيديهم في حق ملك الاستمتاع ، كالمماليك في حق ملك الرقاب ، ثم جعل - عزّ وجل - التناسل في الخلق على التفاريق ، وتقلبهم من حال إلى حال ، وتنقلهم « 3 » أبدا كذلك ليكون أذكر لتدبيره ، وانظر في آياته ودلالاته ، ولو شاء لأنشأ الخلق كله بمرة واحدة ، وأفناهم بدفعة واحدة ، وكذلك ما جعل لهم من الأرزاق وأنواع النبات ، لو شاء لأخرج لهم ذلك كله بمرة واحدة في وقت واحد ، لكنه أنشأ لهم بالتفاريق ليذكرهم النظر في آياته وتدبيره ، ليكون ذلك لهم أدعى إلى المرغوب ، وأحذر للمرهوب ، وكذلك ما ردد من الأنباء والقصص ، والمواعيد ، وذكر الجنة والنار في القرآن في غير موضع ليبعثهم ويحثهم على النظر في آياته وتدبيره ، ويرغبهم في كل وقت في المرغوب ، ويحذرهم عن المحذور والمرهوب ، ثم قوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وقال في آية أخرى : قُوا أَنْفُسَكُمْ [ التحريم : 6 ] وقال : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] ونحوه ، ذكر الأنفس في [ هذا ] « 4 » كله ، ثم لم يفهم أهل الخطاب من هذا كله معنى واحدا وشيئا واحدا ، وإن كان في حق اللسان واللغة واحدا لكنهم فهموا في كل
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 21783 ) و ( 21784 ) و ( 21794 ) . ( 2 ) في أ : فيهن . ( 3 ) في أ : ويتقلبهم . ( 4 ) سقط في ب .